أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

46

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

طريقة الجلا : يقولون إن النفس في أصل نشأتها كالمرآة الصقيلة النظيفة يتجلى فيها كل شيء يقابلها من ماضي الوجود والآتي منه ، لكنها معوقة عن ذلك بأحد الأمرين إما صداها بصور الأكوان شهودا واعتمادا واستنادا ، أو انصرافها عن المقصود بالتوجه إلى غيره من العلوم والعمليات وغيرهما مما يصرفها عن المقصود بانطباعه فيها ، فلو انجلت في الأمر الأول لأبصرت لرفع حجابها ، ولو توجهت في الثاني لرأت لنفي احتجابها ، وما دامت معلقة بأحدهما فهي مصروفة عن المقصود ولا يمكنها الوصول إليه ، ولهذا قال في الحكم : كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته ؟ أم كيف يرتحل إلى اللّه وهو مكبل بشهواته ، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة اللّه وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ، أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته ، انتهى . وكما أن هذه الطائفة مثلوا النفس بالمرآة فكذلك مثلوها بالعين الماء ، وشبّهوا ما يكون في النفس من المعارف والعلوم بما يكون في العين من الماء ، وقالوا إن العين قد تغور وإنما يخرج ماءها الحفر ، وتمثيلهم على النفس بالعين صحيح ، فإن النفس فيما تجلّى لها من الحقائق والعلوم يوم الميثاق قد يذهلها عنه ما هي به من الأوهام والأسباب ، فيفور منها كما يفور الماء من العين ، فيحتاج إلى الحفر عنه بفأس المجاهدة ومسحاة الرياضة حتى تفور كما كانت أو أحسن وهذا الفريق أعني طريقة الجلا ، وتسمى طريقة الإشراق أجمعوا أن علاج الأصل : أي علل النفس هو أقرب للبرء ، ولأن بانقطاع الأصل تنقطع فروعه بخلاف من يعالج فرعا ، والعلاج هو محاولة الدواء وذلك لا يصح إلا بعد معرفة العلة ، والعلة إن لم يعرف سببها وأصلها لم يفد عدمها في نفي أصلها وإن أفاد في تشخيص صورتها فقد يكون هناك ما هو كامن يقدح في وجه المداواة ، فإما أن يبطىء برؤها لذلك أو لا يتفق أو يكون على غير قياس وهو غرر ، فاعلم أصل علتك تظفر ببرئها في أقرب مدة بأدنى معالجة مع الأمن من هيجانها بعد وأصل كل داء جسماني هو فساد المزاج إلى أن يصير فعله وانفعاله على غير المجرى الطبيعي ، وأصل كل داء قلبي إنما هو فساد القصد الذي عنوانه الرضا عن النفس حتى يصير فعلها وانفعالها على غير المجرى الشرعي والحقيقي ، بل على وفق الهوى والأوهام الباطلة التي شأنها ضعف اليقين ورقة الديانة . وعلاج النفس هو كفها عما تريده من النقائص والفعلات حتى لا تقع فيه ، وتطهيرها عما وقعت فيه حتى يزول . فالأول بالتقوى والاستقامة حتى لا تزال فيها . والثاني بالتوبة والإنابة حتى تنصبغ بلوازمها من التقوى والاستقامة ونحوهما ، وهذه الطريقة هي طريقة الإشراق